»

تحليل إعلامي: الزيارة الأربعينية تعطّل مفاعيل البروباغندا الأمريكية

21 أيلول 2022
تحليل إعلامي: الزيارة الأربعينية تعطّل مفاعيل البروباغندا الأمريكية
تحليل إعلامي: الزيارة الأربعينية تعطّل مفاعيل البروباغندا الأمريكية

د. مريم رضا

الإعلام المعادي وبروباغندا التضليل

 ارتبط مفهوم الاستعمار عبر التاريخ بمعنى مغاير كليًّا للدلالة الإيجابية التي يحملها المفهوم من "عمارة الأرض وطلب العمران". فقد غلب عليه الطابع السلبي المرتبط بالسياسات الغربية التوسعية ما بعد الحرب العالمية الثانية التي مارست قوتها بغية السيطرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الأمم المستعمَرة والتحكّم بمصيرها. وتتوافق هذه المعاني مع دلالة مصطلح الاحتلال الذي عادة ما يرتبط، في المستوى الأول، بالاستيلاء العسكري الجغرافي القهري الكلي أو الجزئي؛ فيما هو مقدمة لاحتلال يخترق المستويات المجتمعية كافّة بما يوفّر للمحتلّ امتداد السطوة والقهر.

 تستخدم كل من سياسات الاحتلال والاستعمار _على اشتراك الأهداف بين المفهومين_ الإعلام كأداة رئيسة في إدارة عمليات السيطرة النفسية والمعنوية على الشعوب المستهدَفة، عبر تزييف الحقائق وتشويهها والتحريض الخطابي وإثارة النزاع. وتشكّل السياسة الدعائية في الاستقطاب الإيديولوجي قوام الأجندات السسياسية والعسكرية في "شيطنة" الآخر، والتلاعب بالرأي العام والدفع به باتجاه الانحياز لجهة دون أخرى أو تبرير فعل دون آخر، وتغذية الانقسام والكراهية.

 ومذ دخل المحتل الأمريكي منطقة غرب آسيا بذريعة "الحرب على الإرهاب" ما بعد احداث 11 أيلول 2001، مع ما عمد إليه من تلفيق وثائق بادّعاءات حول وجود تهديد نووي في العراق، فإنّ الماكينة الإعلامية الأمريكية التي تزرع في "الدول الديمقراطية" وهم مقولة تطوّر الرأي العام بشكل طبيعي دون أي تدخّل، في الوقت الذي يخضع فيه الرأي العام هناك لتوجّهات السياسات الدفاعية، لجأت إلى سياساتها الدعائية ذاتها في التضليل والسيطرة على العقول كسلاح قد يفوق فعالية السلاح التقليدي في حربها على دول المنطقة، وتبرير وجودها اللاشرعي، مع ما رصدته من تمويل وإعداد وموارد لوكالاتها الإعلامية وأبواقها.

 الوجود الأمريكي اللاشرعي.. سياسات ومسارات

 قد دفع إخفاق السياسة الأمريكية العسكرية في العراق _نتيجة نمو حركات المقاومة في منطقة غرب آسيا، بشكل عام، وارتفاع وتيرة المواجهة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي_ صنّاع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية إلى التركيز على المسارات الجارية البعيدة المدى للمجتمعات المقاومة، وفي مقدمتها العراق لحساسية موقعه في المخطط الأمريكي في تقويض نفوذ محور المقاومة الذي يحول دون بسط هيمنة المصالح والنفوذ الغربي على حساب دول المنطقة.

 فاعتمدت واشنطن مسارات اختراق المجتمعات المقاومة بالحرب الناعمة والثورات الملوّنة؛ تشويه النموذج المقاوم؛ إثارة النزاعات العرقية والدينية وتحريض الأقليّات، مستخدمًا   سلاح الإعلام، كخيار استراتيجي في المواجهة المخملية. كما عملت على استثمار تاريخ المنطقة وشعوبها في اقتناص الفرص التي تخدم المصالح الأمريكيّة في تفرقة الصفّ الواحد، وانقسام الشارع الداخلي، وتفكيك محور المقاومة الذي اتّخذت معالمه في التبلور في صيرورة تاريخية من المعارك ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا ومنع إسقاط النظام في الأخير، ورفض العدوان على اليمن، وتطوّر أشكال المقاومة الفلسطينية وتنوّع ساحاتها.

البروباغندا الأمريكية في العراق

 شكّلت الساحة العراقية أرضًا خصبة للبروباغندا الأمريكية ووكلائها لاعتبارات عدّة، أبرزها عاملان: الأول موقع العراق الجيو سياسي في محور المقاومة الذي يلبّي الدافع الأمريكي القوي في مواجهة تهديد تنامي نفوذ محور المقاومة، والثاني هو الإرث التاريخي للحرب العراقية-الإيرانية بما خلّفته من تداعيات نفسية على الشعبين نتيجة ويلات الحرب المفروضة وكوارثها.  ويلاحظ على مدى العامين الماضيين، وتحديدًا مع اضطرار المحتل الأمريكي من الانكفاء العسكري من العراق، آذار 2020 _كانون الأول 2021، تطوّر الدعاية السياسية باتجاه التحريض ضد النفوذ الإيراني باستثمار نعرة "الفرس والعرب"، وبث التضليل في تحميل إيران مسؤولية مشكلات العراق السياسية والاقتصادية، كما هو دأب تلك الدعاية في تحميل المقاومة في لبنان مسؤولية الفساد الحاصل منذ عقود طوال تتخطى تاريخ وجود المقاومة.

 اتخذت واشنطن من مسمى "المهام الاستشارية والتدريبية" واجهة أمامية تموّه بها مصالحها في إضعاف العراق وإحكام السيطرة عليه، في إطار استراتيجية الاحتواء السلبي للدفع ببغداد بعيدًا عن جارتها طهران، وفق أهداف قصيرة المدى قابلة للتحقق والاستثمار التراكمي.  واللافت أنَّ الحركة الأمريكية في العراق كثّفت دعايات تضليل الرأي العام باتجاه ما أطلقت عليه "التدخل الإيراني" في الشؤون العراقية، محاولة بذلك طمس دور "المندوب السامي" الذي تمارسه "الدبلوماسية الامريكية" في المدينة الخضراء، بغداد، وتشويه طبيعة العلاقات بين البلدين المحددة طبيعيًّا بناء على المشتركات الجغرافية والحضارية والثقافية والدينية، ما يفرض بدوره مصالح مشتركة وقضايا متعلقة بالطرفين، وتحتاج معالجة من أصحاب الشأن، حصرًا بعكس الولايات المتحدة مع بعدها الجغرافي الشاسع.

آليات الدعاية السياسية الامريكية

 تشير قراءة التصريحات الأمريكية الرسمية ومقالات مراكز الفكر والمؤثرين في صناعة القرار الأمريكي إلى وجود عملية ضخّ مفردات فتنوية عدّة تحاول النيل من العلاقات الإيرانية_العراقية. ومن أبرز هذه المفردات ما يصف إيران ب "التدخّل" ؛ "الهيمنة" ؛ "حكم العراق"؛ "فرض الحلول"؛ "زعزعة الاستقرار العراقي"، وغيرها الكثير من التعبيرات الإيحائية التي تسعى إلى كيّ وعي الشعب العراقي وإثارة دفائن الذاكرة الجمعية باتجاه التحشيد ضد كل ما له علاقة بإيران، بما تحوّل معه الأنظار عن وجودها اللا شرعي، وتستهدف بدلًا منه عمليات المقاومة الرافضة للسيطرة الأمريكية.

إن الرسائل والصناعات الدعائية الأمريكية موجّهة بطريقة ممنهجة في اتجاهين متوازيين، لكن تتقاطع أهدافهما عند نقطة القدرة على التأثير. في الاتجاه الأول، تسخّر البروباغندا الأمريكية الطاقات والموارد والكفاءات على أنواعها في استهداف الفرد والمجتمع العراقي على حدّ سواء، وفق نظرية عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، في تكامل أجزاء البنية وأدوارها ووظائفها باتجاه التلاعب بالعقول. وفي الاتجاه الثاني، تستغلّ نفسية الفرد وظروفه في الوصول إلى أهدافها وفق مرجعية "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبان؛ فتقدّم ما يريده المتلقي في قرارة نفسه بما يعنيه من تلاعب بالمشاعر، لا بالعقول.

الزيارة الأربعينية ومواجهة البروباغندا الأمريكية

 اليوم، وفي ظل الجدل القائم ما بين فعالية آليات التلاعب بالعقول أو بالمشاعر، وعلى الرغم من دور مواقع التواصل الاجتماعي في غلبة المنهجية الثانية، يمكن القول إن مشهدية الزيارة الأربعينية لم تؤخذ بالحسبان وفق المرجعيتين الإعلاميتين. فالحدث يبطل مفاعيل كل أجندات العالم، وليس فقط البروباغندا الأمريكية في التفرقة والشقاق، أو تحصيل مكاسب يعوّل عليها في استهداف إيران من الخاصرة العراقية.

هناك الكثير من الشواهد الميدانية في المسيرة الأربعينية التي تدعم هذه المقولة، أو تشكّل أرضية يمكن البناء عليها لمزيد من إيجابية العلاقات. يمكن تسجيل أبرزها في نقطتين اثنتين؛ وبإيجاز بحيث إن كل منها قابل للبحث المطوّل، وفيه من التفاصيل الكثير.

أولًا، اللغة:

يشكّل الاختلاف في اللغة مادة استثمار ناجحة في إثارة النعرات، بيد أن الزيارة تكشف عدم فعاليتها إذ لا تمثل حاجزًا في تواصل الشعبين، بل إنه من اللافت أن الكثير الكثير من العراقيين ينطقون باللغة الفارسية بسلاسة واتقان، ويتعاملون مع الزائر الإيراني بلغته الأمّ، دون اي إحراج في المعاملات كافة، المادية الاقتصادية والمعنوية العبادية. وتجد الفرد العراقي مسترسلًا بالتحدث باللغة الفارسية لدرجة أنه قد لا ينتبه أنك تستفسر منه باللغة العربية عن أمر ما.

ثانيًا، السلوكيات:

يدرس علم السلوك الاجتماعي التصرفات والأفعال والسلوكيات في البيئة الاجتماعية للفرد وطريقة تفاعله في المجتمع، وردو أفعاله المختلفة. ويستدلّ من ملاحظة سلوك اصحاب المواكب، من العراقيين، على طول طريق "المشاية" من النجف إلى كربلاء، وتلك المنتشرة في مختلف شوارع المدينة والمحيطة بالحرم الشريف على امتداد واسع، يستدل على وجود عاطفة جامعة بين الشعب العراقي وكل الزوار. يتجلّى السلوك الاجتماعي الإيجابي تجاه الإيرانيين بشكل خاص في تقديم أهل المواكب والمضايف المساعدة للوافدين من مختلف مدن إيران وعلى الرغم من حشودهم الغفيرة، فيتبارى هؤلاء في وضع كل الإمكانيات والقدرات والموارد، عظمت او صغرت. ويمكن رصد السلوك الاجتماعي القابل للتعويل على إيجابيته في حسن تعامل الشعب العراقي مع الشعب الإيراني في النقاط التالية، وهي غير حصرية لكن نورها لشدة بروزها:

١. نوعية الطعام في المواكب العراقية إيرانية بمعنى أنها تتوافق مع الذوق الإيراني وثقافته في الأكل، من تقديم الأرز والمرق والحبوب "اليخنة" المطبوخ مع الدجاج أو اللحم، أو الأرز و"الكباب" المشوي.

٢. تخصيص أصحاب المواكب الزائر الإيراني، تمامًا كالزائر العربي، للنزول عنده ضيفًا عزيزًا تحلّ معه البركة على الموكب أو البيت وأصحابه. فيقف العراقي وسط الشارع بذراعين مفتوحتين مناديًا باللغة الفارسية، "بفرماييد"، وتعني "تفضلوا"، ما يقابلها بصوت عربي "هلا يا زاير".

٣. البيوت العراقية بل وكل المنشآت الموجودة سواء كانت صالحة للسكن او لا، ولو بابسط شروط العيش فيها، مكتظة بالزوار الإيرانيين، مع الأخذ بالحسبان تفوّق عديد هؤلاء على غيرهم من بقية دول العالم الثمانين الذين يتوافدون للزيارة. واللافت ان العراقي لا يترك مترًا لا يقدمه لزائر ينام فيه او يستريح، حتى لو كان باحة البيت أو المدخل.

مفاعيل الزيارة الأربعينية الأقوى

 يُقال _وهو من المنطق والصواب_ إن القاعدة هي العمادة والمرتكز لقيامها على مبانٍ قوية ومتينة؛ لا تتحمّل معها مسؤولية الخطأ في التطبيق او ما شذّ من حالات فردية لا تعبّر إلا عن ذواتها. وتكرّس الزيارة الأربعينية قاعدة ذات أسس متماسكة لا تستطيع بروباغندا التضليل والتشويه النيل منها أو تقويضها. وهذه القاعدة مفادها أنّ حبّ الإمام الحسين ريادة في الوحدة والإخوة والاعتصام بحبل الله، وما تؤمنه الزيارة في كل عام من تلاقح وتواصل وشدّ أواصر ولُحمة في العلاقة بين الشعبين يتحوّل إلى حصانة ضد مخططات أعداء الخارج في تقويض علاقة البلدين الجارين والتحريض باتجاه علاقات غير متوازنة لبغداد مع الفلك العربي على حساب علاقة الضرورة الاستراتيجية مع طهران.

 هكذا، تقوم الزيارة الأربعينية بدور الوكالة الإعلامية الأكثر فعالية في تنمية العلاقات بين مختلف شعوب الأرض، وتذليل عقبات التواصل وإلغاء حواجز التفرقة على أنواعها، وإبطال مفاعيل سموم الماكينات الغربية. وعليه، يتوجب على صناع القرار الأمريكي في العراق معاودة الحسابات وفق معادلة الزيارة الأربعينية التي يلقف فيها "الاستعمار" الحسيني للقلوب والعقول الاحتلال الغربي وأجنداته المزيّفة، ويزيد لائحة إخفاقاتهم، فشلًا تلو الآخر.